يجب أن تكون الشعوب الأصلية جزءاً من حل مشكلة تغيّر المناخ […]. وإن القيمة المهمة للمعارف [التقليدية] لا يمكن – بل يجب عدم – الاستهانة بها. و[للشعوب الأصلية] دور أساسي أيضاً في إيجاد حلول اليوم والغد…

باتريشيا إسبينوزا، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ

يشهد مناخ العالم اضطرابات غير مسبوقة. واجتذبت حرائق الغابات الواسعة النطاق في أستراليا والتي تسببت في خسائر طائلة في الأرواح (الحيوانية والبشرية) والممتلكات والبيئة اهتمام وسائل الإعلام العالمية منذ شهور. وفي القطب الشمالي، توجد صور مروعة للدببة وهي تتضور جوعاً في موائلها الطبيعية بسبب ارتفاع منسوب المياه وذوبان القمم الجليدية؛ وفي كينيا، هيأت الأنماط المتغيرة لدوران المحيطات الظروف لكي يدمر الجراد المراعي. وتشير هذه الأحداث القصوى إلى واقع صارخ وهو أن مناخنا يتغيّر بسبب أفعالنا، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على البشرية والنظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي العالمي.

إذ يركز المجتمع العالمي على سبل مكافحة آثار تغيّر المناخ والانتقال إلى مستقبل منخفض الكربون، يجب عدم إغفال الأثر على الشعوب الأصلية لثلاثة أسباب على الأقل.

تشير الأحداث البيئية القصوى إلى واقع صارخ وهو أن مناخنا يتغيّر بسبب أفعالنا، مع ما يترتب
على ذلك من عواقب وخيمة على البشرية والنظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي العالمي.

أولاً، تعتمد الشعوب الأصلية على التنوع البيولوجي المحلي وخدمات النظام الإيكولوجي في بقائها ورفاهها. ويعني ذلك أن تلك المجتمعات أكثر تأثراً من غيرها بآثار تغيّر المناخ. فعلى سبيل المثال، تكون الشعوب الأصلية في القطب الشمالي أولى الفئات المتأثرة بتفاقم انعدام الأمن الغذائي الناجم عن ذوبان التربة الصقيعية. وتشير منظمة العمل الدولية إلى ست “مخاطر فريدة” توحد تجارب الشعوب الأصلية في ظل تغيّر المناخ. فالشعوب الأصلية فقيرة؛ وتعتمد على موارد طبيعية متجددة؛ وتتأثر تلك الموارد الطبيعية بتغيّر المناخ؛ وتشهد هذه الشعوب الأصلية معدلات هجرة مرتفعة بسبب تغيّر المناخ؛ وتتسم بعدم المساواة بين الجنسين؛ وتُستثنى غالباً من عمليات اتخاذ القرارات في المسائل المتعلقة بحقوقها. وتحد هذه العوامل من قدرتها على الانتصاف، مما يزيد من ضعفها ويقوض قدرتها على التخفيف من آثار تغيّر المناخ أو التكيّف معه. وتهدد هذه العوامل أيضاً قدرتها على دعم حقوقها وضمانها.

ثانياً، تمتلك الشعوب الأصلية ثروة من المعارف البيئية يمكن أن تكتسي أهمية محورية في التكيّف بفعالية مع تغيّر المناخ. وكما كتب تيري ويليامز وبريستون هارديسون في مقالة بعنوان “الثقافة والقانون والمخاطر والحوكمة: سياقات المعارف التقليدية في التكيّف مع تغيّر المناخ”، تمتلك الشعوب الأصلية معرفة كبيرة بالمسائل المتصلة بالتكيّف مع تغيّر المناخ. وإن معارف هذه الشعوب قيمة لأسباب عدة منها المساعدة في إعادة بناء المقاييس المرجعية التاريخية، وضمان التكيَّف الملائم ثقافياً، وتيسير آليات التكيّف مع تغيّر المناخ، وكلها عوامل لا تزال تدعم بقاء الشعوب الأصلية في ظل ظروف قاسية.

ففي أستراليا مثلاً، يناقش البروفيسور الفخري بيل غاماج ممارسة أصلية عمرها 50,000 سنة للوقاية من الحرائق حيث تُستخدم حرائق صغيرة لتطهير الأرض من الحطام وأراضي الشجيرات والغطاء الحي وبعض الأعشاب بغية منع حرائق الغابات الواسعة النطاق. وتقلل هذه الممارسة من تأثير حرائق الغابات في الحشرات والحيوانات وتحمي الأشجار والستائر الحرجية. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإدارة البيئية السليمة يتطلب “الكثير من المهارات المحلية”.

ويُقصد بتلك المهارات المحلية أو المعارف التقليدية الدراية العملية والدروس المستفادة التي اكتسبتها الشعوب الأصلية وتتوارثها عبر الأجيال. وتشير اليونسكو إلى أن هذه المعارف قابلة للتطبيق على نطاق مكاني وزمني أدق من العلوم وتشمل فهماً لكيفية التعامل مع التقلبات والاتجاهات البيئية والتكيّف معها. وتغطي المعارف التقليدية كل مجالات النشاط البشري، ويتزايد الاعتراف حالياً بدورها في التنبؤ بالتغيرات المناخية والتكيّف معها والتخفيف من آثارها الحتمية. فعلى سبيل المثال، يستخدم رعاة عفر في شمال شرق إثيوبيا الماشية والحشرات والطيور والأشجار وغيرها من الحياة البرية للتنبؤ بأنماط الطقس والمناخ. وبالمثل، تستخدم أمة سابارا في منطقة الأمازون الإكوادورية معلوماتها وخبراتها المحلية المتعلقة بتغيّر المناخ ومؤسساتها العرفية لتحسين ممارسات إدارة الموارد الزراعية والطبيعية. وما هذان إلا مثالان على طريقة مساعدة المعارف التقليدية للشعوب الأصلية في التكيّف والاستدامة والصمود.

التعليقات معطلة.